الشيخ محمد رشيد رضا
219
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
المقصد الثاني من مقاصد القرآن ( بيان ما جهل البشر من أمر النبوة والرسالة ووظائف الرسل ) كانت العرب تنكر الوحي والرسالة إلا أفرادا من بقايا الحنفاء في الحجاز وغيره ومن دخل في اليهودية والنصرانية لمجاورته لأهلهما وقليل ما هم ، وكانت شبهة مشركي العرب وغيرهم على الوحي استبعاد اختصاص اللّه تعالى بعض البشر بهذا التفضيل على سائرهم ، وهم متساوون في الصفات البشرية بزعمهم ، ويقرب منهم اليهود الذين أنكروا أن يختص تعالى بهذه الرحمة والمنة من يشاء من عباده وأوجبوا عليه أن يحصر النبوة في شعب إسرائيل وحده ، كأن بقية البشر ليسوا من عباده الذين يستحقون من رحمته وفضله ما أعطاه لليهود من هداية النبوة . على أنهم وصفوا الأنبياء بالكذب والخداع والاحتيال على اللّه ومصارعته وارتكاب كبائر لمعاصي كما تقدم في القسم الأول من هذا البحث ، ووافقهم النصارى على حصر النبوة فيهم ، وأثبتوا قداسة غير الأنبياء من رسل المسيح وغيرهم وعبدوهم أيضا ، على أنهم نقلوا عن بعض خواص تلاميذه إنكاره إياه في وقت الشدة ، وعن بعضهم انه أسلمه لأعدائه ، وأنه قال لهم « كلكم تشكون فيّ في هذه الليلة » واتخذ كل من الفريقين أحبارهم ورهبانهم وقسوسهم أربابا من دون اللّه تعالى بأن نحلوهم حق التشريع الديني من وضع العبادات والتحليل والتحريم « 1 » وكل ذلك من الكفر بالله وانكار عدله ، وعموم رحمته وفضله ، ومفسدات نوع الانسان ، وجعل السواد الأعظم منه مستعبدا لافراد من أبناء جنسه ، فأبطل اللّه تعالى كل ذلك بما أنزله من كتابه على خاتم النبيين ، وأثبت بعثة الرسل والمنذرين لجميع شعوبه بقوله ( 16 : 36 وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ ) وقوله ( 35 : 24 إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ ) وكرم الانسان بجعل التشريع الديني
--> ( 1 ) راجع تفصيل هذا في ( ص 263 ) من جزء التفسير العاشر